القسم العـربي    القسم الأ لماني    القسم الإنكليزي    دليل الموقع    جاليري    نادي الفن    أوريينت أونلاين    جوكبوكس    ليتبوكس    مواعيد    شوب    أدبي    
calamus deutsch   calamus english     

قلمس
مفتش في القاهرة في القرن الرابع عشر
سلسلة قصص بوليسية شرقية
الكاتب: أنيس حمادة - الترجمة: مصطفى مساد وأنيس

"عروج المؤذن إلى السماء" كتبت في يونيو ٢٠١١ وهي الحلقة الأولى من مغامرات قلمس الخطاط وبائع الكتب . ويساعده ابن أخيه هارون ، الذي أتى من مدينة آخن بألمانيا ، في فكِّ ألغاز الجنايات وحل الحالات الإجرامية. وتجري أحداث القصص في مدينة القاهرة العظيمة ، في سنة ١٣٨٢ المقابل سنة ٧٨٤ بعد الهجرة . وهو العصر الذي يصل فيه برقوق إلى السلطة ، وهو السلطان الأول من مماليك الجراكسة ، الذين حكمهم في القلعة. في نفس السنة يأتي المؤرخ ابن خلدون إلى مصر وهو معروف اليوم بتأسيسه علم الاجتماع ، ويلعب دورا في قصص القلمس وكذلك شخصيات أخرى من التراث العربي .

بعد نشركتابه "الاسلام للأطفال" باللغة الألمانية سنة ٢٠٠٧ ، وبعد تأليفه ديوان أشعار موزونة بعنوان "الشعراء" (٢٠١٠ ، بالألمانية أيضا) ، ينطلق العالم الاسلامي والكاتب أنيس حمادة من جديد في رحلة تاريخية في العالم العربي ، فيجاوز أربع مائة عام من مباراة الشعراء في بلاط الخليفة في بغداد إلى المدينة المشهورة على نهر النيل .

تجدون قصة القلمس الأولى في هذه الصفحة باللغات الألمانية والإنكليزية والعربية. سوف تليها حلقات أخرى والكتاب الأول سيحتوي على ما يقرب ٢٠٠ صفحة وبين خمس وسبع قصص ، بالإضافة إلى قطعة خاصة بقصة بوليسية حقيقية حول المؤرخ المقريزي الذي كان شابا زمن القلمس يعيش قريبا من محله ...
للاشارة: في حالة نشر هذه القصة يحتمل حذفها من هذا الموقع أوتقصيرها.

عروج المؤذن إلى السماء

كان هارون يجري حافي القدمين فوق الحجر البارد مند فعاً بخطى حثيثة قاصداً المكتبة . سرعته كانت عالية بالنسبة للمنعطف الحاد عند الباب . لذا سارعت يده بالإمساك بإطار الباب لكي يتمالك نفسه بالاتجاه الصحيح . فإذا به ينطلق إلى داخل المكتبة كالنُّشّاب مسدداً مباشرة صوب عمّه . العم الذي كان جالساً هناك على سَجّادته الطَرية ، سانداً ظهره إلى الجدار الخلفي ومتكئاً على جانبه الأيسر على وِسادته فوجئ بالحدث ، فرفع مذهولاً نظره عن كتابه الذي كان بيده . حيث أنه لم يبصُر في أيدي هارون رغيف الخبز ولا الجبن البلدي ولا الزيتون الأخضر التي طلب منه إحضارها .
لم يستطع هارون التوقف إلاّ على مقربة من كرش عمه ، وهو يجدّف بذراعيه في الهواء ، محاولاً بذلك الحفاظ على توازنه . " أبو الطيب " انطلقت الصرخة من فوهته . " أبو الطيب ، اختفى ! "
كان يلهَث ، وكادت أنفاسه تحتبس . أما عمه فبقي متجمداً في مكانه ولم يحرك ساكناً . نظرته وحدها هي التي كانت تعبّر عن أنه بدأ حقاً يستوعب ما يدور حوله .
والآن لاحظ هارون لأول مرة أن بضعة زبائن - وعددهم ثلاثة ، لا بل أربعة – كانوا قد تواجدوا داخل المكتبة ، رغم أن الوقت كان ما زال مبكراً في الصباح . رأى أغلبهم واقفاً أمام رفوف الكتب ، وشاهد أحدهم على مكتب المذاكرة منهمكاً في النسخ . الجميع كان يصوب نظره على هارون بتلهف على أمل سماع المزيد منه عن النبأ . حينها ما كان من هارون سوى أن رجع خطوة إلى الوراء ، ثم انحنى إلى الأمام مرتكزاً بكلتي يديه على أعلى ساقيه برهة ولغاية أن استعاد أنفاسه . فهزّ برأسه مستغرباً وقال لهم : " إنه لمن الصعب على أي مرء استيعاب كيف حصل شيء كهذا ! المؤذن أبو الطيب صعد إلى المئذنة ، لكنه لم يرفع الأذان ولم يعُد للأسفل . لقد شاهدت ذلك بأم عيني . أنا كنت واقفاً هناك خصيصاً للاستماع لصوته الجميل عن قرب ، حيث أنه من المعروف أن أبا الطيب يُعَدّ من ألمع المؤذنين وأمهرهم ، وقد سبق وأن أصغيت لأذانه العديد من المرات . عندما حان وقت الصلاة دون أن يسمع الناس صوت الأذان ، تجرأ أحد الحاضرين وصعد إلى المئذنة ليتأكد مما حصل ، لكنه عاد إلينا بعد قليل فتوقف أمامنا وهو يلهث من التعب وأخبرنا صائحاً : أبو الطيب غير موجود ! وهذا ما أذهل جميع الحاضرين لدرجة أنهم لم يصدقوا النبأ ، فتجمهر معجمهم حول المئذنة . وحتى أن بعضهم صعد إلى المئذنة مما قد سَبّبَ ضجيجاً صاخباً لحدّ ما . وبعدها وعندما لم يعثروا على المؤذن غادروا المكان بسرعة هائلة كما تفر طيور الدجاج المذعورة ، كي يقصّوا الخبر على الآخرين . " ثم أضاف : " وهذا ما أفعله أنا أيضاً . "
وفي هذه الآونة نهض أبو يوسف حسين ابن جليل المصري الوراق المدعو " القلمس " حتى انتصبت قامته . فأخذ يثني على هارون معتقداً أنه قد أجاد تعلّم اللغة العربية أثناء المدة التي قضاها بيننا ، التي كانت أقل من الثلاث سنوات ، لدرجة أنه أصبح يتكلمها بطلاقة ، وكأنه واحد من أبناء البلد المقيمين . ولم تفارق مخيلته صورة هارون ابن شقيقه كيف بدا عندما دخل ذات مساءٍ من هذا الباب لأول مرة وهو خائر القوى ومضطرب الأعصاب ، قادماً من رحلة طويلة من مدينة آخن الواقعة في بلد الفرنجة النائية ، تلك البلد التي توفي فيها والداه بسبب حادث مؤسف . والآن ها هو قد أصبح شاباً يافعاً واثقاً من نفسه كل الثقة وفي العشرين من عمره .
" تعال معي يا ابن أخي وأطلعني على مكان الحدث " خاطبه القلمس ، وشدد على كلامه مشيراً بيده تجاه الباب . ولكن قبل أن يغادرا المكتبة كان قد طلب القلمس من الزبائن : " رجاءً مِنْ كلّ مَنْ يرغب بشراء حاجة أو التوصية على شيء ما أن يسجّله ، وأنا سأقوم بدوري بالاتصال به . " ولكن هؤلاء الزبائن كانوا هم أيضاً منشغفون لمعرفة ما هو أكثر عن هذه القصة الغريبة ، وأخيراً خرج من المكتبة خمسة رجال وامرأة بخطى سريعة ، وإذا بهم يتواجدون في الزقاق ، وكانت نظرات بعض الجيران محبي الاستطلاع لهم بالمرصاد .
وقبل أن يصلوا إلى شارع المعز ، الذي يشطر المدينة القديمة من باب زويلة في الجنوب حتى باب النصر في الشمال ، توقف الرّتل برهة في أحد الشوارع الجانبية حيث عرّج الوراق على أحد العاملين لديه بلال وقاطع هذا أثناء تناول طعام فطوره وكلّفه بأِن يدير المحل إلى حين عودته . كان مسجد إبراهيم يبعد عن هناك بحوالي ربع ساعة . أخذت المجموعة تشق طريقها بعناء مروراً عن حمير مثقلة بالأحمال وتؤدي ما فرض عليها ببطء ومروراً عن المشاة المبكرين ، وبأطفال يمرحون .
سار هارون في المقدمة وتبعه القلمس الذي يرتدي جلبابه الأبيض البسيط والمجموعة من ورائهما . وكان كلما اقتربوا من المسجد ، كلما ازداد الزحام وكلما تعَالت الأصوات . وأخيرا وصلوا إلى المئذنة الواقعة على مقربة المسجد . هناك كان قد تجَمّع حشد من الناس وعسر على رجال أمن دولة المماليك السيطرة عليهم .
توجه القلمس نحو شخص يعرفه ، وناداه سائلاً : " يا حاج عمر ، ما الذي جرى هنا ؟ " رفع المخاطَب نظره ثم شق طريقه إلى الرجل قائلاً : " يا أبا يوسف أولم تسمع الخبر ؟ إن المؤذن اختفى أمام أعين الناس . لقد صعد إلى المئذنة ولم يعد للأسفل . فأجابه : " أجل ، لقد أخبرني الشاب بذلك . ولكن ما شأن هؤلاء الناس هنا ؟ " وكان مضطراً لرفع صوته عالياً لدرجة الصياح تقريباً كي يصل كلامه لمخاطبه . فقال الحاج عمر : " إنهم يعتقدون أن أبا الطيب قد اعتلى إلى السماء ، ويظنّون أنها أعُجوبة . " فحسب الظن قد تجمع أكثر من ثلاثمائة شخص حول المئذنة . وعندما جال القلمس ببصره إلى الأعلى لاحظ رجال الشرطة تتمركز على شرفات المئذنة . " وماذا تظن أنت ؟ " سأل القلمس الحاج . فرفع هذا حاجبيه وقصع كتفيه قائلا ً : " ليس لدي تفسير لذلك . "حينها تدخّل هارون قائلا : " إنه لم يصعد إلى السماء ، فقد كنت واقفا هنا طوال الوقت ، ولم أرَ شيئا من هذا القبيل . " أشار القلمس إلى مدخل المئذنة ، وبادر : " قل لي مرة أخرى بالتفصيل ما الذي حدث هذا الصباح ، بعدما أعلن المستطلع غياب أبي الطيب عن البرج . " فأغمض هارون عينيه برهة لتركيز أفكاره . " لقد صاح المرة تلو الأخرى : هو غير موجود ، هو غير موجود . العديد من الحاضرين أخذ يبتهل إلى السماء ويمسك رأسه بيديه . " وعندها قاطع القلمس ابن أخيه بالكلام متسائلاً : " كم من الوقت بالضبط مكث المستطلع واقفاً في مدخل الباب ؟ " فأجاب : " لقد بقي واقفاً هناك طوال الوقت . وتجمهر حوله جمع غفير من الرجال وكانوا يلحون عليه بالأسئلة . وارتقى بعضهم الدراج بنفسه للتأكد . وعندما غادرت أنا المكان وانصرف الآخرون كان هو ما زال واقفاً وسط المعمعة يشارك في نقاش حاد . " حاول هارون أن يتذكر كل التفاصيل .
في هذا الحين خرج الإمام من المئذنة فهرعت نحوه الجماهير الغفيرة ، فخلت الطريق وبذا تمكن القلمس من إلقاء نظرة داخل الزقاق الظليل المجاور . ولم يكن يبعد إلا بضع خطوات فقط ، فدخل فيه ومن وراءه الوفد المرافق له ، والذي انضم إليه الحاج عمر لاحقاً . ففي منتصف الزقاق يقع المخبز الذي قصده هارون لشراء خبزه ، حيث أنه يوجد هناك الخبز البلدي الفاخر . وشاهد الوفد العديد من الرجال والنساء الذين يلتفتون إلى المشهد من شبابيك البيوت ، ووقف البعض أيضاً على الأبواب يتهامسون .
بعدما وصلت المجموعة إلى المخبز وطلب القلمس خمس أرغفة ، تساءل أحد أفراد الوفد : " ماذا نريد هنا ؟ " فلم يعره القلمس أي اهتمام ، بل توجه إلى الخباز سائلاً : " وأنت أيضاً لم تر المؤذن ؟ " فأجابه هذا : " لا يا سيدي ، أنا أعرفه جيداً فهو لم يمر اليوم من هذا الزقاق . " فتناول القلمس الخبز واستغرق في التفكير من جديد . ثم أمر ابن أخيه أن يدفع ثمن الخبز بالدرهم الذي كان قد تلقاه منه لهذا الغرض ، وذهب في طريقه إلى منزله ، وهو يتمتم بأنه قبل كل شيء بحاجة إلى الغذاء .

×××

هنالك شخص ما يقطَع الباذنجان . دخل الرجلان إلى المطبخ وشاهدا أن نادية قد سخنّت زيت الزيتون في المقلاة . " أنت تطبخين لي ؟ " ضحك القلمس مستغرباً . " أسعد الله صباحك يا حسين . طبعا أنا أطبخ لك . لم أجدك عند وصولي ، وحالة المطبخ تدل على أنك لم تفطر بعد . أم هل أنك اشتريت شيئا للأكل في طريقك ؟ " ومع أزيِز حاد في المقلاة انزلقت شرائح الباذنجان الرقيقة في الزيت المغلي ، ووزعّت نادية الزيت بمكشطة كي تستوي جميع الشرائح جيداً في آن واحد . " هذا عمل لطيف منك ! " لا قطعاً ، بل أحضرت الخبز فقط . لقد تأخّرنا بالفعل ، حيث أشغلنا خبر المؤذن المختفي . " عندها هزّت نادية رأسها بالإيجاب : " الحي كله يتحدث عن ذلك . " وأخذت تفرم فصُوُص الثوم فرماً ناعماً في حين ما كانت تبلغّهما التحيات من بلال ، الذي كان عليه التزامات أخرى.
كانت نادية تسكن على بعد ثلاثة منازل من المكتبة .وكانت قد فقدت زوجَها وأولادها قبل سبع سنوات بمرض الطاعون ، ذلك الموت الأسود ، الذي أيضاً اختطف من القلمس زوجته . نَدُرت في القاهرة العائلت التي لم تتأثر بالوباء . ويعرف جميع الجيران في ذلك الشارع أن الأرملين يلتفّان على بعضهما البعض . وصدف أن أحدهم كان قد شجعّها هي أو حثّه هو على الزواج مرّة ثانية . ولكن بقي لغاية الآن الحاجز بين الإثنين قائماً ولم يجرؤ أحد منهما على اختراقه .
أدار هارون وجهه خجلاً وهو يبتسم بسخرية عندما لاحظ نار الحب تشع من عيني كل منهما بالخفاء كلما تقابلا . وليتجنب الانفجار بالقهقهة ضغط على نفسه وخاطب نادية سائلا عندما وضعت الثوم في المقلاة برأس السكين وكانت تقلب شرائح الباذنجان ، حيث أن الجهة السفلى قد احمرت واستوت ، قال : " أليس من الأفضل قلي الثوم أولاً ؟ " فالتفّت بجسدها صوبه وكلمته بلطف وبنفس أسلوب الأم ، الذي اعتادت أن تخاطب أبنائها به . " أجل هذا صحيح ، ولكن أثناء الوقت الطويل الذي يحتاجه الباذنجان ليمتص الزيت وليستوي ، يكون الثوم قد احترق وتفحم . " وأضافت عليه الملح وهي تقلب باستمرار الشرائح التي استوت الآن في المقلاة وأصبح لونها بنياً داكناً . عندها أحضر الوراق الصحون وقطع بضعة حبات ليمون في حين أخذ هارون مكانه على حصير القش ، ونادية قدمت الطعام . " هذه هي وجبتي المفضلة " همر القلمس وحنى رأسه وكأنه يريد أن يبقي رائحة الطعام تفوح في أنفه ، وعيناه تحدق بطاهية الطعام ، التي ابتسمت له وجلست إلى جانب الإثنين ، وأخذت تتفرج على الرجّلين وهما يقطعان أجزاء من الخبز ، وبها يمزقان قطعاً من شرائح الباذنجان المقلي المعطرّ بالليمون على شكل لُقَيْمات ويدخلها في أفواههما باستمتاع . وضعت نادية قدحاً صغيراً من اللبن الرائب وأضافت رَشّة ملح وسكَبَت عليه الدهّون المتبقيّة من المقلاة . غمست الخبز فيه ، موضحة أنهّا قد تناولت وجبة الإفطار وأن الوقت ما زال مبكراً للغداء .ثم عادت من جديد لتتَحدّث عن الخبر الغريب .
" بالأمس تحدثت أيضاً كريمة عنَه . فأنت تعرف ، كريمة تكون زوجة شقيق أبي الطيب وهي تسكن بجانب المئذنة مباشرة ، في بداية الزقاق . " فسألها القلمس وهو ما زال يمضغ بعد أن قضم من ورق البصل الأخضر : " وكيف ، فهل لاحظتْ هي عليه شيئاً غريباً ؟ " عبست نادية وجهها ، وتمنتّْ لو أنه لم يتكلم وفمه مملوء بالطعام . " أنا لا أدري . هي قالت إنه لم يزرْ أخاه إلا نادرا في الأيام الأخيرة ويبدو أن كلاهما يحاول حديثاً أن يلوذ عن طريق الآخر . من المعروف أن أبا الطيب رجل لطيف ولديه هذا الصوت الموهوب . " كان القلمس قد انتهى من المضغ . " رُبّما صعد إلى السماء ، وشيء مثل هذا لم نرهَ منذ فترة . " ابتسم ابتسامة عريضة . نادية أيّدتْه قائلة : " نعم ، آخر من عرج إلى السماء كان هو النبّي نفسه ، وهذا حصل منذ زمن بعيد . "
نُودِيَِ لصلاة الظهر من مآذن الحي العديدة ، أثناء ما كان هارون جالساً في غرفة المكتبة الباردة ومنهمكاً بمهمّة جديدة ، وهي عبارة عن نسخ كتيّب عن علم الهندسة الفنيبة ، وعليه ملاحظات ورسومات . الشاري يريد أن يأتي بعد أسبوعين ليتسلم الكتيّب ، وهو من أثرياء المماليك . هارون لديه موهبة في خط اليد وفي فن الخطوط ووجد فيه القلمس تلميذاً نشيطاً يزيد عن كل الآمال والتوقعات المرجوة . وقد درس الأستاذ مع الطالب المقدمة وأول صفحتين من هذا الكتاب كلمة كلمة قبل بضع ساعات ، لكي يتعود هارون على خصوصيات الخط وأسلوب النص ومصطلحاته العلمية . فغمس قلم القصب في الحبر وبدأ بالصفحات التي كان يعرفها .
هارون لم يكن يتصوّر أبدا أن القاهرة العاصمة هي بهذه الضخامة حين كان يعيش في مدينة آخن ، التي تعتبر من أكبر المدن في البلاد الألمانية ويقطنها ما يزيد عن عشرين ألف نسمة . في المقابل القاهرة بسكانها النصف مليون ! حيث الضجيج في كل صوب والناس يتواجدون في كل مكان ، كميات ضخمة من البضائع تفرغ وتخزن هنا . وكان هارون قد فوجئ بصدمة ثقافية كبيرة حين وصوله إلى القاهرة ، بدون مال وبدون لغة ، ليس معه سوى كيس يحمله على ظهره . لم يكن يعتقد أنه سوف يحقق سعادته هنا ، لكنه بدا الآن فعلاً بأن الحظ قد حالفه .
كان عمه معلما جيدا وصديقا حقيقيا . وهو الذي أغمد الشاب في صميم فؤاده ، فعلمّه الحروف ثم اللغة والخط الفني معا . أما هارون فبهرته كثرة الكتب التي يقتنيها بحوزته عمه ، ومنذ البداية تولد لديه الحافز الداخلي لتقصي محتويات هذه المجلدات .أضف لذلك المغامرات التي يعيشها خارج البيت ! فعلى عكس الوضع في مدينة آخن كانت الشوارع في القاهرة دوماً مكتظّة بالناس ، وكأنه حلم . فبعد الغروب تُشعِ القناديل نورها أمام كل متجر طوال الليل . وكانت حلةّ الأنوار الليلية لا مثيل لها ، فهناك مشاعل ومصابيح وألوان أينما نظر المرء . وكلما تجول هارون في رحاب المدينة كان يكتشف شيئا عجيبا وخلباً . ذات يوم أبهرته إحدى الأكلات التي يعرضها واحد من آلاف الباعة والطهاة المتجولين ، ومرة أخرى جذبه مشهد راقص الحبل أو لعب الظل أو الروائية أو حاوية الفاعي . وكان هارون يدونّ يومياته منذ أن غادر مسقط رأسه ، فقد سجّل جميع لقاءاته ومصادفاته ، إضافة إلى دراسات عن بعض الشخصيات . وقبل عام غيرّ اللغة وصار يكتب بالعربي .
عاد القلمس إلى البيت من صلاة الظهر ، حينما كان هارون قد انتهى من نسخ الصفحة الأولى . فجلس بجوار الحائط المقابل واستغرق في التفكير . وعندما أتمّ هارون نسخ الصفحة الثانية ، كان القلمس ما زال يمعن الفكر متأملاً وينظر في جو حالم إلى ابن أخيه المنشغل بالكتابة ، والذي رفع بصره في لحظة ما وباد له النظر . كان أمله أن عمه لم يغتاظ لإنه لم يرافقه للصلاة . هو كان في بعض الأحيان يذهب معه ، ولكنه عادةً لا يؤدي الواجبات الدينية كاملة . أما عمه فكان لا يلزمه بالقيام بها .
" ما هو الأمر ؟ " سأل هارون أخيرا . فأجابه عمه بلا ترددّ ودون أن يرفع صوته : " هناك أمران يشغلان بالي . أولا : " لقد أنذرني الموظف طوباي بأن مكتبتنا كبيرة المساحة وهذا ما لا يتطابق مع قوانين البناء الجديدة . وثانيا : أنا لا أصدق أن أبا الطيب قد صعد إلى السماء . "
فنهض بعدها وسكب لنفسه قدحاً من الماء وشربه على الفور . ثم تابع كلامه : " أرجو منك أن تساعدني " ، فاستمع له هارون ونحّى أدوات الكتابة جانبا . شبك القلمس يديه وراء ظهره وأخذ يتمشى في الغرفة ذهابا وإيابا . هارون يعرف جيداً هذا الحال فانتظر . " أنا عدت قبل قليل من مسجد إبراهيم ، المكان الذي حدث فيه كل شيء " ، بدأ القلمس الحديث وأضاف : " وطبعا كان أبو الطيب هو الموضوع الرئيسي للحديث . شيء عجيب كيف يتصرف الناس عندما يكونون تواقين لمعرفة شيء لكنهم غير قادرين على تعليله . فكيف يمكن لرجل أن يختفي في مئذنة ؟ " رفع هارون أصبعه وقال : " ربما توجد هناك غرفة مخفية في الجزء العلوي أو يحتمل أنه نزل متسلقاً على حبل . " هز القلمس رأسه : " كلا ، لا توجد غرفة خفية ولا أي آثار لشيء من هذا القبيل . لقد تأكدت بنفسي من ذلك قبل قليل . لدينا دليل وحيد وهو المخبر وأصحابه . إنه هو الذي أذاع خبر المؤذن المختفي . هل تعرفه لو رأيته مرة أخرى ؟ " هارون لم يفهم القصد من السؤال ، فالرجل المذكور قام بالتفتيش فقط ولم يجد أحدا . قال : " ربمّا ، ولكن هناك وجوه كثيرة في المدينة ولا يحتمل ملاقاته ثانية . " وهمر القلمس بصوت خافت وغير مفهوم ، وهو لا يزال يمشي ذهابا وإيابا . ثم غَيّر الموضوع وصار يفكر مع هارون في خطة لتجنب تقليص مساحة المكتبة .

×××

كانت الشمس تصب أشعتها الحارقة فوق العاصمة بدون هوادة بينما الناس يجولون فيها مثل النمل . وكانت واحدة من كبرى مدن العالم ، رغم أن وباء الطاعون قد اندلع في القاهرة أكثر من مرّة وخفّض عدد السكان بشكل ملموس . فقد استفادت دولة المماليك كثيرا من تركة المتوفين ، واستثمرت مبالغاً هائلة في بناء مبانٍ فاخرة جديدة . هكذا فرغ عدد كبير من المنازل ، أو اندثر تماما وحل محله ثغرات ، بينما نشأت في نفس الوقت مبان فخمة حديثة مثل خان الخليلي ، وهو سوق في المدينة القديمة ، قريب من بيت القلمس . منذ قرون والمدينة في نمو مستمر ، فاتسعت مساحتها وأنشئت فيها شوارع وأحياء جديدة ، بعيدا عن قلب المدينة ، التي لقبّتها أسرة الفاطميين قبل ما يبلغ أربع مائة سنة من الآن بالقاهرة .
جلس القلمس في الظل على الدكة الحجرية أمام محله ، وكان يراقب المارة في الشارع . عدى عليه رجل شبه عريان ، يمتطي ظهر حمار وهو يجلس عليه معكوساً وسائراً باتجاه الشارع الرئيسي ، وكان يتبعه أربعة جنود بأسواطهم ، وخلفهم حشد صغير من الناس يصيحون ويهزؤون منهم . هؤلاء المتوحشون ! هكذا فكر القلمس ، وعنى بذلك المماليك وعاداتهم القاسية ومنها العقوبات العلنية . هم حكموا في البلاد وحكموا في بلاد عديدة غيرها . لقد سيطروا على جميع المناطق المهمة في العالم الإسلامي ، بما في ذلك الحرمين بمكة والمدينة . كانوا سلاطين وأمراء من أصول تركية ، وجاؤوا عبيداًُ إلى مصر ومروا بتدريب عسكري . شكلّوا حكومة طائفية أصبحت قوية لدرجة أنهم استطاعوا هزيمة جيش المغول الذي لا يقهر وطردوا الصليبيين . لكنهم غالباً ما ابتعدوا عن عامة الشعب ، فرغم كل الإعجاب بهم اعتبرهم الناس متعسفين وخطرين ومتمسكين بتطبيق القوانين بحذافيرها ـ وغرباء .
المؤذن المفقود لم يغب عن ذهن القلمس . الشرطة فتشت المئذنة . وكان جامع إبراهيم ومئذنته متواضعاً بجميع المعايير ، على عكس المباني الفخمة المبنية من حوله . بقايا سوريَن على شكل زاوية قائمة حول المئذنة تشكل حدوداً لقطعة أرض وهي أرض حرَمَ المسجد ، ويغلب الظن أن بناء السور لم يُكمّل أو أنه كان قد اندثر ، فلم يُعرَف في الوقت الراهن إلا هذا البناء الشبيه بالخرابة . ويمكن الدخول إليه من عدة جوانب .
ما هو السر الذي أحاط بأبي الطيب ؟ لم يهدأ بال القلمس لذا خرج من جديد إلى المئذنة . بقي هارون والكاتب الآخر بلال في المكتبة وحافظا على خدمة الزبائن . أثناء النهار كان الطلب كثير ، حيث أن المرء يجد لدى القلمس الكتب النادرة ، وإذا كان الشخص ليس بالغريب فيمكنه استعارة الكتب مقابل أجر زهيد . سواء أكان المملوك أم الفقيه العربي أم العالم وأم صديق الأداب ، فهنا كان اللقاء المحبب للجميع . عندما كان يتعب الوراق كان يعتزل في الغرف الخلفية ، التي كان أيضا ينام فيها . هذا هو الوضع الحالي ، حيث أنه عن قرب سوف يتنازع بسبب الغرف الخلفية مع الحكام المتزمتين .
رأى القلمس تاجراً في الطريق يحمل مأكولات تشبه الكرة على طبق فضي لامع . وتسمى هذه المأكولات كُبّة ، وهي عبارة عن عجين من السميد من الخارج والحشوة من اللحم المفروم وبذور الصنوبر المقلية . انفتحت شهيته عليها فاشترى خمس حبات ، وعندما وصل إلى المئذنة كان قد أكلها جميعاً ما عدا حبّة واحدة ، هي التي كان قد تصدق بها على متسوّلة مرت عنه في طريقه .
الزكاة والصدقة تعُتبران ركناً هاماً من أركان الإسلام ، والقلمس يحافظ على تطبيقه . لكنه لم يكن متشدداً لدرجة أن يلتزم بتأدية جميع الصلوات في أوقاتها . هو يشعر أن العالم الذي يعيش فيه مليء بالفوضى ، ويعتبر نفسه كآخر حلقة فيه . ويعتقد أن مهمته الحفاظ على القيم النبيلة ، التي رسّخت الحضارة العظيمة . ويتساءل أليس في الإسلام الحقيقي يسود النظام ؟ فلا تُترك الأمور للصدفة ولا توجد أماكن ضبابية . هو يضع المثالية نصب عينيه ولا يتمسك بالأشياء التي يبصرها تحيط به : تراجع عدد السكان ومحبي الشهوات الذين لا يُحجمون وتضخّم المال والمكائد التي تشع انطلاقاً من قصر الحاكم وتتغلغل في صميم العائلات .
كان القلمس يعيش في عالمه الخاص . إنه مشهور بقوة ذاكرة خارقة ـ موهبة محببة لرجل عرف العديد من الكتب . إضافة لذلك فهو كان خطاطاً فنيا مشهورا وهذا ما كان الركيزة الأساسية لحياته الرغيدة المتواضعة . فسواء كان الحديث عن الوثائق أم عن الفن ، فإن مخطوطاته كانت مفضلة ، وحتى لدى المماليك ، الذين كانوا حذرين من العرب ، ولكن ليس من الدين . لم يكن حسين ابن جليل المصري المدعو القلمس أبداً ليفقد ثقته في العالم المثالي الذي يعيش فيه ، والذي لا يختفي فيه بهذه السهولة المؤذنون قبل صلاة الفجر .

×××

لم يكن له إلا دليل واقعي واحد وهو دار الأخ الواقع مباشرة بجانب المئذنة في الزقاق المنزوي . نادية كانت قد تحدثت عنه . وأثناء تحقيقاته قبل وبعد صلاة الظهر سمع اسم أخ المؤذن كذلك . لذا ذهب هناك وقرع الباب . غلام في الرابعة عشر من العمر تقريباً فتح الباب وأخبر القلمس أن الشخص الذي يبحث عنه قد سافر في ساعة الظهر إلى الإسكندرية ليزور والدته . كان الغلام يهم بإغلاق الباب فسمع عندها : " أعتقد أنت تعرف من أنا . أنا أبو يوسف ولي مكتبة ليست بعيدة من هنا . " تلكأ الولد ولم يرد الباب . " أبو الطيب عمك ، أهذا صحيح ؟ " هز رأسه متأكداً . فسأله القلمس : " هل من الممكن أن تقودني إلى أمك ؟ أريد أن أكتشف ماذا حصل لعمك وأكيداً أنت أيضاً تريد أن تعرف . " الغلام، الذي اسمه علي كما عرّف على نفسه ، أومأ للضيف بالدخول . مرا عبر حديقة منزلية غير مكشوفة من الشارع ووصلا إلى البيت المكوّن من عدة طوابق . في الدهليز الداخلي يجلس القرفصاء شبحان بلباس رمادي . بعد صعود الدرج مرّ عن المكان الذي يخلع المرء حذاءه في الطابق الأول . طلب علي من الضيف الانتظار هنا قبل أن يغيب عنه عبر باب في غرفة جانبية . المكان كان بسيطاً ولكن يظهر عليه بأنه جزء من بيت مالك ثري . مشى القلمس فوق سجادة نحو الشباك وراقب الستار الخشبي بلونه الأحمر بني غامق ، حيث هو مصنع بمهارة فائقة وبصورة فنية خلابة . عِبْرَ قضبان الشباك رأى الزقاق ومكان الحدث ، أي المنارة .
" السلام عليكم يا أبا يوسف ، أنا مسرورة جداً لرؤيتك ، نادية كانت قد حدثتني كثيراً عنك . " حينها دخلت ربة المنزل بخفة ويرافقها على كل من جانبيها أحد أطفالها . وكانت ترتدي خماراً يغطي كامل وجهها . أما صوتها فكان متزناً وفيه الرقة . ردّ القلمس عليها التحية بكل وقار وأشار خلال الشباك إلى خارج البيت : " ماذا حدث هناك هذا الصباح ؟ " سألها دون أن يغير نبرات صوته الوقور . عندها تلكأت كريمة قليلاً وشهقت فسُمِع شهيقها وكأنه تنهداً : " هيهات لو أننا عرفنا ذلك ! يُتَوقع أن أخ زوجي قد اختُطِف . " جلس القلمس متربعاً على السجادة ، بينما اقتربت هي من الشباك وأدخلت يدها داخل قضبان الخشب ، ثم قالت بصوت خافت : " أو هو حقاً عرج إلى السماء ، كما حلمت ذلك والدته في منامها . "


كريمة © Anis 2011

ـ " والدته ؟ " أجاب مستغرباً . " نعم . منذ زمن بعيد وقبل أن رحلت إلى الإسكندرية ، فهي تقضي ما تبقى لها من العمر هناك بين أصدقاء لها . فلقد كانت قد استيقظت ذات ليلة من نومها وأيقظت جميع النائمين حولها لتسرد عليهم ما حلمته . حدّثتهم أنها رأت في المنام ابنها أبا الطيب وقد أُشّعَ عليه نور ساطع ثم عُرِجَ به إلى السماء . لقد مرت على هذا الحدث عشرون سنة . كان ذلك في عهد السلطان منصور صلاح الدين وحصل في هذا البيت بالذات . وأيضاً حارس الحديقة يتذكره . الأم رأت الصورة أمامها واضحة تماماً فارتعب جميع المستمعين ولم يجرؤ أحداً على الاعتراض على كلامها . ومنذ هذا الوقت وهي ما زالت من حين لآخر تتذكر ذلك الحلم . فقاطعها الحديث : " الشيء الذي يصعب علي فهمه هو موعد سفر زوجك ، فأنا لو كنت مكانه واختفى أخي هكذا ، لحاولت أولاً تقصّي حقيقة ما حدث ، ولم أكن لأقم برحلة بعيدة مباشرة بعد ساعات قليلة من إشاعة النبأ . " عندها أدارت كريمة وجهها المقنع نحوه ولم تبد أي حراك . ابتعد عنها طفلاها وبدءا يداعبان بعضهما البعض . " هو يعتبر أنه من المهم أن يكون على مقربة من والدته وأن يوصل لها الخبر . ولكن الآن بعدما أوضحتَ لي الموضوع هكذا ، أصبحتُ أنا كذلك أستغرب الأمر . " فطلبت من الأطفال إحضار الشاي ، ثم أخذت مكانها على الجهة المقابلة من الطاولة المنخفضة وجلست على مقعد منجد .
فسألها القلمس : " هل تعرفين أولئك المصلين الذين راقبوا اختفاء أبي الطيب والذين كانوا على مقربة من المئذنة حينها ؟ " فأجابت كريمة : " زوجي كان واحداً منهم . لقد جاؤوا بعد ذلك مباشرة مذهولين للبيت هنا . أنا كنت للتوّ قد أنتهيت من صلاة الفجر ودخلت الحجرة هذه . زوجي كان يتجادل مع رجلين بأعلى صوته وأخبرني بالحدث . كان جارنا محي الدين بينهم وهو يرافق الآن زوجي في رحلته . جميعهم رجال ورعون ويخافون الله . مكثوا هنا لغاية الظهر ، عندما قرر زوجي الركوب إلى الإسكندرية . تناول القلمس قدح الشاي الذي قدّمَ له فوق صحن فنجان وأقعده بجانبه على الأرض . ثم حك رأسه وسأل : " إذا كان أبو الطيب حقاً قد اختّطِف فيكون زوجك أحد من القائمين بذلك . " فما كان من كريمة سوى أن أمسكت طرفي قناعها ورفعته عالياً فأصبح فوق رأسها على شكل خوذة ، وأخذت تحدق في عيني زائرها . " ماذا تقول لي يا أبا يوسف ؟ هذا شيء مستحيل . " صمد القلمس متحدياً نظرتها . وبعد انتظار قصير أخذ جرعة من الشاي . " هارون ابن أخي كان شاهد عيان عندما صعد المؤذن إلى المئذنة . وكان أيضاً واقفاً هناك عندما أعلن زوجك وأصحابه للملأ اختفاء المؤذن . فحيث أنه لا يوجد للمئذنة مخرج آخر يفترض أن يكون المفقود إما ما زال موجوداً هناك وإما أن يكون قد اختُطِف أثناء تزاحم الناس أمام المئذنة . وعندما عاد زوجك إلى البيت عقب الحادث ، هل تبعه لاحقاً شخص أو شخصان ؟ " الآن سحبت كريمة خمارها من تحت عصبتها ووضعته بجانبها على المقعد وأجابت : " لا . " وعندما انتهى الضيف من شرب شايه أُذِن له بتفقد الحديقة . فقالت كريمة : " إذا كان ذلك عاملاً مساعداً في حلّ اللغز فلِمَ لا . لا مانع لديّ من أن تستجوب حارس الحديقة أيضاً .
كان حارس الحديقة جالساً مع حفيده في ظلّ إحدى النخلتين الموجودتين داخل السور ومنشغلاً بتنظيف أدوات الحديقة . هذين الرجلين كان القلمس قد رآهما عندما قدم لهنا . فهما العاملان اللذان كانا يجلسان القرفصاء في دهليز البيت الشبه معتم ولم يتمكن من التعرف على الوجوه السوداء . الآن عرف أنهما من أهالي منطقة النوبة الواقعة على مسافة سير أيام عديدة تجاه أعالي النيل . " حيّا الله الضيف " هتف الرجل المسن بلهجته دون أن يتوقف عن العمل . وشوهد أن في فمه لم يبق إلا القليل من الأسنان . كان الحفيد متكئاً بجانبه وأخذ يحملق صامتاً بالقلمس . " أخبرني أيها الرجل الوقور عما حدث هنا هذا الصباح عندما عاد رب البيت وبرفقته أصحابه ؟ " تردد الرجل العجوز ثم تمتم شيئاً غير مفهوم . فأجاب عنه حفيده : " نحن كنا ما زلنا نائمين . " قال هذا وأشار إلى المُعَرَش الموجود بجانب النخلة الثانية ، التي يوجد تحتها بعض البطانيات وأمتعة أخرى كوّمها الحارسان هناك . وعندما جال القلمس بنظره في المكان ، شاهد رونق بيئة الحديقة حيث الممرات المرصوفة ببلاط المرمر والورود وأحواض الزرع ، المنسقة باعتناء وفي نهاية الحديقة يتداخل البيت بالبيت المجاور . دخل القلمس الدهليز من جديد وسار فيه ، فنزلت كريمة الدرج واستقبلته وأخبرته بأنه يوجد خلف الأبواب والستائر مخازن عدة وبأن أحدها الآن خالٍ ولا مانع إذا أراد الاطلع عليه . فتحت له الستار فظهر خلفه ركن شبه المهراب بدون شبابيك وذو مساحة تتسع أن يختبئ إنسان بحرية . " هل تعلمين أين كان أبو الطيب مساء أمس ؟ " سألها القلمس . " إنه ينام في المسجد ، حيث توجد له غرفة " أجابت كريمة . القلمس كان قد تفحص تلك الغرفة بعد صلاة الظهر ، حيث أنه طلب من الإمام السماح له بدخولها ، ولكنه لم يعثر فيها على أي شيء مريب . توجد فيها فقط قطع ملابسه المختلفة المرتبة بانتظام وباقية أمتعته الخاصة . " أنا سأكتشف ما حدث هنا بالتأكيد " وعد القلمس عندما خرج .

×××

بلال كان واقفاً أمام الرف ويمر بيده فوق الكتب . فسأل هارون الذي كان منهمكاً بالكتابة : " ماذا يقرأ هو الآن ؟ " فاكتشف كتاباً بجانب المكان الذي اعتاد القلمس أن يجلس فيه وقرأ عنوانه . رفع هارون بنظره إلى الأعلى قائلاً : " ما هو ؟ " فأجابه بلال مبتسماً : " الفرج بعد الشّدة للتنوخي . أنا أعرفه . "
بلال كان يعرف معظم الكتب الموجودة في جعبة القلمس حيث أنه هو الذي كان قد جلب جزءاً كبيراً منها بنفسه . إضافة لذلك فهو قد كان المكلف بتدوين سجّل الكتب ويحافظ دوماً على تجديده . وكان يعمل في المكتبة عمال آخرون ، وفي مقدمتهم الكتبة . لكن هؤلاء لم يكونوا موظفين دائمين فأغلبهم كان يأتي بين الفينة والأخرى ليسلم المخطوطات التي أنجزها وليستلم الطلب الجديد . بلال كان يكبر هارون بخمس سنوات وكان يساند هذا الشاب الفرنجي بأن يعرّفه على العالم الغريب عليه . لقد علّمه الأشياء التي يعرفها هو وشجعه على سلك طريقه معتمداً على نفسه . مثابرة هارون كانت قد أعجبته . ويبدو أن الكتابة كانت في مقدمة الأعمال التي أفرحته . حيث كان هارون يستغرق فيها لدرجة أنه غالباً ما كان يلتهي عن الأكل وينسى أوقات يومه . أحياناً كان هارون يقرأ له من مدونات يومياته ، فاستنتج بلال أن ابن الفرنجة لا يجيد فقط نسخ مؤلفات الآخرين ، بل أنه كان أيضاً يؤلف كتاباته الخاصة . وربما في يوم من الأيام ستكون مؤلفات هارون تصطف في رفوف المكتبة ويتم نسخها مئات المرات . بين الحين والآخر كان بلال يعرّف هارون على زملاء المستقبل . " قصص التنوخي تحكي عن الأناس الذين حلّت بهم مصائب تمكنوا بدهاء خارق التغلب عليها . " ألقى هارون بقلمه جانبا ونحّى بحذر الورقة من أمامه التي لم يجف حبرها بعد ، وتناول المخطوطة من يد بلال . وسأل أثناء ما كان يتصفح بها : " مثلاً ؟ " فكّر بلال قليلاً ثم حدّثه قصة الشخص المستقسي الذي لم يشفيه أي علاج لغاية أنه يوماً ما بطريق الصدفة أكل الجراد المطبوخ فشفي بأعجوبة . طبيبه علل ذلك بأن الجراد كان قد أكل مادة العلاج مازاريون ، التي تعد من السموم . ولكنها عندما طبخت مرتين ـ المرة الأولى في بطن الجراد والثانية في الطنجرة ـ تبخر السم منها . لقد أعجب هارون بهذه القصة .
في طريقه إلى البيت تذكر القلمس الموضوع الذي شغل باله . أراد أن يفكر بهدوء ، فجلس في إحدى الملتقيات العامة وأخذ يراقب لاعبي النرد . لا حلم الأم ولا سفر الأخ يؤديان إلى نتيجة مُرضية . لقد كانت بالتأكيد هناك خطة مرتبة اختفى على أساسها المؤذن بدهاء . وهذه المسرحية الضوضائية ليست سوى جزءاً من الخطة . ولكن من هو المستفيد من كل هذا ؟ لا يمكن الجزم على أي واحد من مجموعة الشهود ، حيث لا يوجد أي دليل قاطع على أحد منهم . لم يصدق القلمس حدوث عملية اختطاف . حيث أن أبا الطيب كان رجلاً موثوقاً به ولا يوجد له أعداء حسبما وصفته كريمة . منذ صغره وهو مولع بالغناء وقد لاقى تعليمه في أحد الكتّاب ، أي مدارس المساجد ، وتعرف على أساتذة قديرين علموه قراءة القرآن . ورغم أن عمره كان ثلاثين سنة فقط ، فإنه كان قد أدى فريضة الحج إلى مكة ، ورأى العديد من البلدان عندما كان يصطحب والده التاجر ، الذي كان يفتخر بأن له أبن كرّس حياته في أعمال البر والتقوى . وهو يعمل منذ حوالي سنة كمؤذن في جامع إبراهيم ويسكن فيه ، ومن المنتظر أن يُرَقّى ليعمل في جامع الأزهر الكبير . أبو الطيب كان رجلاً متواضعاً ولديه روح فنية حساسة ، كانت سمعته طيبة ويحمده الكثيرون ، ولا توجد له مذمة ، لكن ربما كانت أحدها الموسيقى ، التي كان يستمتع بها .
القلمس لا يحب الموسيقى . أكثر ما كان يزعجه هو زعيق ذلك المزمار ، الذي كان حاضراً في كل مناسبة فرح فيُسْمَع من مسافات بعيدة عبر التجمعات السكنية ، حتى أن مجرد ذكر اسم هذه الآلة الموسيقية كان علامة شؤم للقلمس . أما هوايته هو فكانت رسم الخط الفني الهادئ والغير مزعج . نادية كانت الوحيدة التي تقربه من الموسيقى ، فكانت في بعض المناسبات تخرج نايها الصغير وتعزف له ألحاناً تعلمتها من أسلافها .
اقترب القلمس من المكتبة وكان في طريقه يطرح السلام على جيرانه ، الذين يجلسون على المقاعد أمام حوانيتهم . أما على البنك الذي أمام المكتبة فكانت تبرك قطة مبرقة باللون الأمغر وهي ولّت هاربة بسرعة البرق عندما شعرت به يدنو . بجانب القنديل الليلي في أعلى الباب كتب هارون الأربعة حروف التي يتكون منها الاسم قلمس باللون الأسود ، وذلك على سطح الحائط المطلي باللون البني الفاتح ، ثم أحاطها بدائرة حمراء وبزخارف ملونة .
عندما وصل إلى المكتبة استقبله هارون بعبارة : " ربما كان أبو الطيب في شدّة فوجد الفرج بعدها . " وهو يلوح بكتاب التنوخي . فضحك عمه متعجباً : " هذا ... " تردد قليلاً ثم أكمل : "... ممكن ! "

×××

" حيّ على الصلاة ! حيّ على الصلاة ! " تعالى صوت المؤذن فوق سطوح بيوت المدينة القديمة وعبر الشوارع . انمزج بأصوات المؤذنين الآخرين لتتآزر مع بعضها البعض فتكون في آن واحد جوقة خشوع ونداء لليقظة وضابط للوقت . خمس مرات في اليوم تتوقف أعمال التجارة في القاهرة لبضعة دقائق . إنه لا يوجد مكان آخر في العالم تتكاثف فيه المساجد والمآذن بهذا العدد الضخم . كان الوقت بعد الظهر ، تلك الفترة في النهار التي يكون فيها كثير من الناس في قيلولة ، يخيّم فيها الهدوء لمدة ساعة أو ساعتين قبل أن تبدأ برودة المساء بتشجيع البشر على الانطلاق . في مسجد إبراهيم وفي ضواحيه يشعر المرء بالارتباك الذي ساد هذا اليوم . تضاعف عدد المصلين الذين تهافتوا من كل صوب على هذا البناء المغطى بالقبة المستديرة . وتجمهر البعض أمام المئذنة باستغراب وكما لو أنهم أمام أهرام الجيزة أو أمام هرم أبو الهول مذهولين . كان صوت الأذان قد تبدد عندما عاد المؤذن ودخل قاعة الصلاة . هذه كانت المرة الثانية التي رفع بها هذا المؤذن صوت الأذان نيابة عن أبي الطيب . " إذن ، ماذا تقول ؟ " همس القلمس في أذن ابن أخيه . " أجل ، هذا هو الرجل الذي لاحظ اختفاء أبي الطيب كأول الناس . من أين عرفت هذا ؟ " وبدلاً من أن يجيب السؤال جرّ هارون إليه وتابع سيره باتجاه المؤذن وقطع عليه الطريق . فبدون أن يحييه همس له شيئاً لم يتمكن هارون من سماعه . ذُعِر الرجل لأول وهلة ثم هز برأسه للأسفل مؤيداً ، قبل أن يتابع سيره ببطء . حدّق الوراق عينيه بعيني هارون : " سأذهب أنا إلى الصلاة . هل تأتي معي ؟ " ابن الأخ لن يتقاعس مهما كلّف الأمر فهو يريد معرفة ما يدور هنا . فوافق على مرافقة عمه وتراجع عن إلقاء الأسئلة ، التي كانت يتف على طرف لسانه . على كل حال فهو متابع الحدث وأصبح على وشك معرفة كل ما يريد . توجه القلمس إلى مكان الوضوء المستدير الذي ينطلق منه الماء من صنابير عدة . خلع في طريقه صندله ووضعه بجانب أحذية الآخرين فتوضأ . أما هارون فقد قام بنفس الشيء . ثم تواجد في صفوف مئات المصلين فوق سجادة كبيرة . الجميع يؤدون نفس الواجبات : يهمسون بعض الآيات القرآنية ويركعون ويسجدون ويصلون .
إنه عمل يهدئ إذا عرف المرء ما يفعله الناس من حوله . هذا ما فكر به هارون بعد الصلاة . كانت عيناه تبحث عن المؤذن الجديد وبدا ذلك مستحيلاً بين هذا الجمع الغفير . احتار من المحادثات النشطة عن وقائع هذا اليوم . كان بعض الناس يكرر من الصلاة وكأنهم يحاولون بذلك التوصل لروح المؤذن المفقود . هذا إذا ما كان هو مفقوداً حقاً . يظهر أنهم صدقوا شائعة العروج إلى السماء ، لدرجة أنها طغت على بقية التخمينات . تجمهرت بعض المجموعات حول الواعظين ، الذين أطلقوا النظريات بأن يد الله هي التي مهدت الحدث . دعا القلمس ابن أخيه لجواره . " سوف نعثر عليه في المكان الذي تكلمنا معه فيه . " وفعلاً كان المؤذن ينتظرهما خارجاً وهو يفرك أصابعه منفعلاً : " دعنا نتحدث سوياً على حدة " سمع هارون القلمس يقول وهو يشير إلى قمة المنارة . قَرُب الثلاثة رجال من البرج المستدير متسترين وصعدوا الدرج اللولبي إلى الأعلى . عندما وصلوا إلى الشرفة الأولى توقف المؤذن ولكن القلمس قال بأنه يريد التأكد ودفع به قدماً إلى القمة . صعدوا إلى الشرفة الثالثة وجلسوا بجانب بعضهم البعض حول القبة ، فصعبت رؤيتهم من الأسفل . عندما شاهد هارون البيوت والشوارع تحته من هذا العلو زاغ بصره وأصابه غثيان خفيف . بدأ المؤذن يتكلم : " سمعتك تقول أن أبا الطيب في خطر ، وأن المماليك قد القوا عليه القبض ؟ " هارون بلع لعابه وبقي متجمداً . القلمس أمسك الدرابزين وكان يلهث من صعود الدرج . " ما العمل الآن ؟ " قال متهارباً . هز المؤذن برأسه وقال : " هذه مصيبة " ، وأخذ يتولول . وماذا سيكون حال أمينة ؟ " مر عدد من الخيالة وصوت حوافر الخيول يعلوا ، وهم يقودون أمامهم امرأة ترش الماء على الأرض لتمنع به غبار الرمل من التطاير لبعض من الوقت . " هذه أمينة أختي " تابع المؤذن قائلاً ، " وهي خطيبة أبي الطيب . " ـ " هو خاطب ؟ " سأل هارون . بقي الرجل صامتاً . " الحقيقة هي ... " قال فيما بعد " ... أنها هي تريده ، وأنا لا أتصور أي زوج لأختي أفضل منه . أخ أبي الطيب موافق أيضاً على هذا الزواج وكذلك والدته ، التي كانت أمينة قد زارتها في الإسكندرية في الصيف الماضي . ولكن أبو الطيب لم يكن مقتنعا بالزواج .
هارون بلع لعابه مرة ثانية . " أكمل حديثك " قال القلمس ، فاستطرد المؤذّن : " حسناً ، ازدادت الضغوطات على أبي الطيب . وأخيراً ، قبل أسبوعين ، عَدَلَ عن رأيه وأعلن موافقته على الزواج . كان قال هذا لي ولها ولأخيه فقط لكي ينهى الشقاق الذي حصل بينه وبين أخيه . الأخ الأكبر كان يحبذ الزواج كي يحصل أبو الطيب على وظيفة أفضل . جعل علاقاته الحسنة مع جامع الأزهر تلعب دوراً ، رغم أن الجامع كان قد أبدى اهتمامه بالصوت المتميز ولا يحتاج للوساطة . بعد بضعة أيام مما أعلن رغبته بالزواج جاءته الدعوة من الأزهر . لكنه بدل أن يفرح أصبح دوماً قلقاً ويعاني من اليأس . أجل حتى أن يصارع مع فكرة الانتحار ، كفانا الله شرّه ! لم يُرِد أن يخذل أمينة ويخذلنا وهذا ما سبب له المرض الحاد . ولم يُظْهِر مرضه لأحد غيرنا أنا وأخيه . القلمس أكمل : " ولذا بحثتم عن وسيلة الفرَج بعد الشدّة . "
تعجّب هارون . كيف تمكن عمه من معرفة ذلك ! المؤذن تابع كلامه : " أخبرنا أبو الطيب ودموعه تنهمر عن وجود مكان في عكا على ساحل فلسطين فيه الغناء الطعام وهو غنّى فيه ولقى ترحاباً كبيراً . إنه يحلم كل ليلة بتلك التكية . لقد كان هناك مرتين وكشف لنا أسراره حيث أنه لم يشعر بسعادة أكثر في أي مكان آخر. وذَكَر أيضاً أن هناك امرأة يحبها تنتظره منذ سنوات .
الآن تفهم القلمس مأزق أبي الطيب . فكيفما وزنها المرء وقاسها ، يستنتج أن المؤذن ذا الصوت الجميل لم يعد لديه خيار آخر . وفِكْرَةُ مَنْ كانت قصة الصعود إلى السماء ؟ " هذه كانت فكرتي أنا " اعترف المؤذن الخَلَف . " أنا وأبو الطيب أصدقاء منذ أيام الدراسة ، وسمعت ما حلمته أمه ورأيت نظرات أختي البريئة كلما ذكر أحد تلك القصة . أنتم تلاحظون : لا أحد يفتش عليه . الجميع شبه مشلولين . " ـ " تقريباً الجميع " ظَنّ هارون ، وأكمل الرجل : " كانت الحيلة سهلة . بعدما نزلتُ أنا من المئذنة هذه وأخبرت الناس منفعلاً أن أبا الطيب قد اختفى ، دخل شخصان آخران رفيقان لنا في حين كان أبو الطيب قد بَدّل ملابسه في أعلى البرج وعاد متخفياً مع الشريكين وتظاهر بأنه أحد المخبرين . نحن كنا خمسة متآمرين وأحطنا به عندما مشينا المسافة القصيرة إلى بيت أخيه . ملابسه أخبأناها تحت قفاطيننا . بعد ذلك أخرج له أخوه جرابه السفري من البيت وثلاثة منا أنزلوه إلى الزقاق بأمان ونهاية عِبْرَ بوابة المدينة . هكذا كان التخطيط . ومن المقرر أن يذهب هو اليوم إلى فلسطين وفي نفس الوقت يتوجه أخوه مع هذا الجار الثرثار إلى الإسكندرية ليتناسى الناس القصة وكي لا ينفضحوا . فهذه الحيلة كانت الطريقة الوحيدة لرد الأذى عن الجميع .
الوراق وابن أخيه أصغوا للقصة باهتمام . هبت نسمة من جهة النيل فجففت العرق عن جبين المؤذن . " الآن أكيد ضاع كل شيء . " أمسك رأسه بين يديه وأخذ يتولول . " لا تخف ! " هدأه القلمس . " أنا لفّقتُ عليك قليلاً ، مثلما فعلت أنت أيضاً . " رفع المؤذن بصره : " ماذا قلت ؟ " سأله مرتبكاً . " أتعني أنه لم يُلْقَ القبض على أبي الطيب ؟ إذاً لماذا أحدثك كل هذا ؟ " وقف القلمس بمشقة نفض جلبابه وأكد : " لا تخف فنحن لن نبوح بسركم . "
لم يعد هارون قادراً على الصبر .فتمتم لعمه قبل أن ينزلوا : " كيف عرفت أنك ستعثر عليه هنا ؟ " فأجابه عمه هامساً أيضاً : " أنا توقعت فقط أن رجلاً فتيناً مثل أبي الطيب سيخطط بأن يكون الشخص الذي سيحل مكانه رجلاً ثقة ، وتمكنت أن أتوصل إلى هذه الفكرة عندما مهدت أنت لي وقدمت لي الدليل الحاسم . " ضحك هارون حائراً . إذن فلم يكن هناك أثرا أو دلائل أو براهين تؤدي بالعم إلى حل القضية ، وإنما سلوكيات أبي الطيب التي وضع هو نفسه فيها .

×××

عندما أعلن الألف مؤذن حلول المساء لم يكن أبو الطيب بينهم . " هل زرتِ مدينة عكا في حياتك ؟ " سأل القلمس مرحاً نادية ، التي كانت جالسة على مقعد في المكتبة وتحتسي الكركديه الأحمر الساخن معه ومع هارون وبلال . " عكا ؟ لا ، لماذا ؟ هل أنت عازم على السفر إليها ؟ " نظرت إليه مبتسمة وحاولت بدون جدوى تحليل تعابير وجهه . " نعم معكِ " أجاب هو . " يقال إنّ الخدمة هناك متميزة . " وضع هارون الكتاب في يد عمه وتوسل له . " اقرأ لنا قصة من فضلك " وأثني على طلبه الآخرون . فقرأ العم لهم قصة أولى ثم ثانية وختاماً قصة ثالثة من التنوخي عن الفرج بعد الشدة . في الأثناء غادر بلال المكتبة قصيراً وأنار القنديل أمام الباب .
" أنت تعرف ما حصل مع أبي الطيب ، هل أنا صائبة ؟ " نظرت نادية إليه . كان من الصعب مخادعتها . حك الوراق رقبته وردّ : " اعتقد ذلك . " وأضاف هارون مادحاً : " أبو يوسف باحث ماهر ، لا يظلّ عليه شيئاً غامضاً . " أراد بذلك سدّ الانتباه ، إنما لاحظ عدم نجاحه في الأمر . أما نادية فأصرّت على السؤال : " إذن ؟ " رشف القلمس من الهبسكوس ، ثم تطلع إليها بجدّ وقال : " يبدو أن المؤذن فعلاً ارتقى إلى السماء . يا للعجب ! "

                                  إلى فوق