القسم العـربي    القسم الأ لماني    القسم الإنكليزي    دليل الموقع    جاليري    نادي الفن    أوريينت أونلاين    جوكبوكس    ليتبوكس    مواعيد    شوب    أدبي    
أوميجا 5
رواية لأنيس حماده
مدخل ومقطع من الفصل الأول
الترجمة: در. عبد السلام حيدر للهيئة الألمانية للتبادل العلمى بالقاهرة
مراجعة: أنيس


الأصل الألماني  
النسخة الإنكليزية  
الصور  

المضمون: مدخل - كتاب ملغز - طيور الشووم وحيوانات الليمور - الخمسة - راات - ماذا يريد يوناس حقيقة - الآط

"أوميجا 5" هي قصة يوناس، الذي هبط إلي الأرض بدون جسمه من خلال أحد أبواب النجوم من كوكب بعيد. ويمكنه التواصل بمساعدة إنسان ميديوم وهو يرسل بريد ألكتروني حتى يحكي عن عالمه الذي يوجد به عمالقة وحيوانات ليمور تستطيع الكلام وفاكهة حب تشبه الفرولة وتسمي باطووم وفلسفة تسمى أوراات Oraat وتعني تقريبا "سلام من خلال العلانية". وقد وصل خبر هذه القصة إلي أنطون في برلين فأقدم على المغامرة وأخذ يتتبعها ولكن دون أن يصدق أن يوناس يقول الحقيقة. حكى يوناس أن قومه انتبهوا فقط قبل أربعين سنة لأول مرة إلى وجود الأرض التي يسمونها بيتفو Bitfu أي الكوكب- البيِت. بعد الحادي عشر من سبتمبر رأى بعض الأوميجانيين ضرورة أن يقوموا بالاتصال. إنه إذا سفير، ولكنه بقي على الأرض ولن يستطيع العودة حتى يصدقه الناس هنا على الأرض. بينما يحاول أنطون من خلال الأسئلة أن يكتشف تعارضات في حكايات يوناس، يجد مصادفة باب النجوم في الحلم، بل وقضي وقتاً قصيراً على أوميجا 5، حتى استيقظ مرة أخرى وهو مضطرب. هل يوجد هذا العالم حقاً؟ وفي مرة ثانية وصل أنطون إلى الكوكب ولكن في هذه المرة لم يجد طريق العودة. الآن حُبس كل من أنطون ويوناس في عالم غريب ولا بد لهما من أن يتواءم كل منهما مع عالمه الجديد.

إلى جانب الأحداث المسلية والفنتازيا الأسطورية يعرف المرء من خلال الرواية التي تتشكل "أوميجا 5" (في نهاية عام 2006 تم النتهاء مما يقرب 70 صفحة) الكثير عن التاريخ الطويل للأوميجانيين وثقافتهم، وهم عبارة عن مجتمع يرى اللاعنف كقيمة مهمة جداً فليس لديهم على سبيل المثال جيوشاُ.

- كتاب ملغز-

يوناس لا يذهب عن بالي، ولكني لا أعرف كيف أتعامل معه. لا أستطيع مقاومة جاذبية أن أعرف أكثر عن هذا العالم. كانت الجزئيات التي جابهتها غير معتادة جداً. رأيت نفسي مقرفصاً، مثل الصبي الصغير على أرضية السقف في رواية "حكاية لا نهاية لها" لميشائيل إنده، أمام كتاب كبير ملغز، أمسح بأصابعي على الغلاف الثقيل وأسأل نفسي عما إذا كان ينبغي علي أن أفتحه وأواصل القراءة. شئ ما يمنعني عن هذا، خوف خافت لم استطع تحديده بالضبط.

حتى وإن كانت قصة يوناس جذابة، فإن هذا "الأوميجاني" لم يكن سارداً مخلصاً. إنه يكتب فيما يبدو بطريقة مسلية وممتعة، ولكنه يركز علي أنه لا يهتم فقط بالتسلية وإنما يجب عليه أن يقوم برسالة ما. كانت هذه هي النقطة التي حركت ريبتي. كان شيئا ما يوجد هناك ويأخذه يوناس مأخذ الجد، ولكني لم استطع أن أفهمه. فلا يمكن أن يكون في ذهنه أنه يريد أن يقنع "سكان الأرض" بحقيقة أوميجا 5. أي خطة إذا ينبغي أن تكون لديه؟ أن يتحدث المستشار إلى الأمة قائلاً: "أحبائي المواطنين والمواطنات، إننا لسنا وحدنا"؟ أو أن تقدم الجامعات دروساً في الأوميجانية للمبتدئين؟ لقد اتصل بي يوناس مباشرة راجياً أن يجعلني شريكاً له. غريب. مما خفت؟ هل خِفت من أن أجعل نفسي أضحوكة إذا ما أسلمت نفسي لمثل هذا العالم الخيالي؟ لا , لقد كان خوفي على الأدق من هذا الخليط بين الفنتازيا والحقيقة. وهكذا لم استطع أن أواصل حكاية القصة حتى إلى أقرب أصدقائي. وكيف كان يمكنني أن أبدأ؟ ماذا كان ينبغي أن أقول؟ ولكنني بهذا لم أحقق أُمنية يوناس ولم يكن لي أن أواصل ولم أكن لأستطيع أن أواصل سماع قصته بذهن صاف.

عمالقة. لقد كان هذا غريباً. عيد باطووم. حياة طويلة مثل شجرة. الكثير يرن وكأنه يشبه أحوال فردوسية. لا توجد حروب. شئ لا يمكن تصوره بالنسبة لإنسان. يرن أقرب إلى مدينة فاضلة مثالية وإلى فكر التمنيات. إنه يرن بكل بساطة غير حقيقي. وهذا لم يكن كل شئ: فيوناس تحدث عن باب كوكبي، ارتحلت روحه من خلاله، وعن أنه لا يستطيع أن يحول نفسه إلى مادة وأنه يحتاج إلى "جسد مُضيّف". خيالاته إذ ًا لا تقتصر على كوكبه البعيد وإنما يضفر الحقائق الأرضية مع حكاياته.

لا فائدة أريد أن أعرف الكثير عن أوميجا 5. لماذا على سبيل المثال يعطي كوكب نفسه رقم 5 كاسم؟ لم أجد هذا مقنعاً على الإطلاق. وماذا كان طائر الشووم Schum هذا الذي ينقل الأوميجانيين؟ ينبغي أن يوجد كذلك حيوانات متكلمة على أوميجا 5، وعني هذا لم يقل يوناس حتى الآن شيئاً محدداً. وكيف تبدو الحياة في راات Raat؟.

لقد قررت ، من هذه الناحية، أن أنزل على رغبة يوناس وذلك حينما أردت أن أنشر خطاباته مباشرة في الانترنت. وأقدمت بالإضافة إلى ذلك على المغامرة من خلال صياغة فتنتي وكذلك شكي، ومن ثم اخلق إطاراً يُتيح لصوت يوناس، في نطاق رأي عام حر، أن يصل إلى الآذان التي يمكن أن تروق لها حكاياته. نعم كان هذا مجهداً حقاً، ولكن حققت بذلك رجاء ذلك الأوميجاني دون أن اضطر إلى أن أظهر وكأنني أعتنق مثل هذه الرسالة الخيالية أو أن أكون موضع شك في أنني أرى أناس خضر صغار. كان يوناس مفتونا بهذه الفكرة وكتب:

- طيور الشووم وحيوانات الليمور -

"أوراات، هذا بالضبط أوراات، هذا ما فعلته يا عزيزي أنطون، من هنا يصل المرء بسهولة إلى قلب الفلسفة الأوميجانية. حرف "O" هذا يعني لدينا مثل "مفتوح، عام" ، وهو في الوقت نفسه يعني كلمة "أنا". ما فعلته كان يعني أنك بكل تشجيع وشك قد فتحت الاتصال. وهذا شئ نادر على الأرض، ولكنه لدينا شئ طبيعي. وحتى أشرح لك هذا فإنني احتاج إلى عدة صفحات، وهذا شئ طويل، وأنا أريد في هذا الموضع ألا أكون نظرياً.

أعجاب رأيت حالاً أنك نشرت لقاءاتنا وتقاريري في الانترنت. هذا كان أكثر مما تمنيت، وأنا أريد لأجل ذلك ولبعض أرباع الساعات أن اصطحبك إلى أوميجا5 وأحكي لك أثناء ذلك عن بعض الأشياء التي لم تكن لتحسبها ممكنة. أريد أن أحكي لك عن عالم الحيوان لدينا. والذي يبدو أنك تهتم به، وبصفة خاصة طائر الشووم وحيوانات الليمور.

طائر الشووم أو شوومرا ،بإضافة نهاية الجمع البيريتية "را"، تأتي من إرَم Iram وهي بمثابة شئ خاص على أوميجا5. وهي تأتي بالتأكيد في الكثير من أساطيرنا ولم يكن لها لتجتاز التطور بدون العمالقة والأوميجانيين فيما بعد، وذلك لأن بيضتها كبيرة ومرئية حتى أن الطائر وحده لا يمكن له حمايتها من الوحوش المفترسة. وطيور الشوومرا بيض كالثلج وتشبه بجعاتكم. شووم على طرف سبابة أحد العمالقة هو بنفس حجم حمامة مقارنة بإنسان أو أوميجاني. توجد صورة شهيرة لدينا، أن أحد الأوميجانيين يجلس ملوحاً على أحد طيور الشووم الذي يجلس بدوره على إصبع أحد العمالقة.

العمالقة يربون هذه الطيور حتى اليوم مثل ما يربي الناس الدجاج والحمام. العكس بالنسبة للأوميجانيين الذين يعاملون الشوومرا مثل ما يعامل الهنود البقرة المقدسة. من الأشياء التي تكاد تكون في كل دوم Dom فناء الشوومرا، وهذا المكان يمثل مرقداً وعشاً للطيور. البعض يرقد بنفسه ولكن الغالبية تضع بيضها وتتركه في مكان الرقاد. أيضاً حينما تكون الطيور مريضة فإنها تأتي إلى الفناء وتأتي كذلك في وقت تغيير الريش. ونحن من جانبنا نستعمل الشوومرا كوسائل مواصلات. نضع سرجاً، نرتدي ملابس طيران، كذلك خوذة ونطير حيث نشاء. وهذا يحدث إما بأن نستدعي الطائر من السماء عن طريق صوت صفارة خاصة أو أن ننادي في الفناء عما إذا كان هناك طائر مستعد للطيران. السرج مصنوع بطريقة لا تجعل المرء يسقط. وحتى يعرف الطائر أين تتجه الرحلة يعطيه المرء إشارة. ومن هذا بعض نداءات وكذلك لمس نقطة محددة في عنق وظهر الطائر. وبهذا اللمس يعطي المرء الاتجاهات السماوية. ومن هنا فإن المعارف الجغرافية ضرورية جداً وإلا سيضل الأوميجاني الطيران بسهولة.

نقل الأشخاص على أوميجا 5 رخيص نسبياً. الشوومرا مجانية ولكن لها أيضاً نواحيها السلبية. فأحياناً يجب أن ينتظر المرء طويلاً حتى يأتي أحد الطيور. وأحياناً توجد مشاكل مفهومة أو أن يقوم الطائر بالتوقف ليأكل. وهذا قد يطول. وتوجد كذلك أحوال يمتنع فيها أحد الشووم عن الطيران، وذلك لأن المسافر متعجل أو غير لطيف. ثم لا تكون مستعدة للعمل طوال العام، وذلك لأنها تنسحب مرة في العام لأجل تجديد الريش، غالباً في الأفنية التي يمكنها من خلال تصنيع رداء الريش المتساقط أن تجد إمكانية لزيادة الدخل. لأجل ذلك يوجد لدينا بالإضافة إلى الشوومرا شبكة للخطوط الحديدية وسيارات أجرة وسفن وكذلك قد يحملنا العمالقة مرات كثيرة وهم يسيرون.

في عصر الآباء المؤسسين اتفق الناس في راات على أن لا تكلف الاتصالات والمواصلات تكاليف إضافية. وذلك لأنه بهذه الطريقة كان يمكن الحفاظ، على أفضل وجه، على الأوراات Oraat ، أي السلام العام. في الحالات الأخرى يوجد لدينا بلا ريب نوع من الرأسمالية. فلدينا عملة مالية وسوق حرة إلى حد كبير. وكذلك يوجد لدينا أغنياء وفقراء وكل المشاكل التي يحدثها هذا الوضع. ولكن الاختلافات ليست واضحة مثلما هو الأمر على الأرض، ولهذا أسباب عدة.

أولا يتم تحديد كل التحويلات المالية وكل المبالغ الضرائبية في العلن؛ وبالتالي يمكنني أن أراجع في كل وقت كم من المال دفع جاري في العام الماضي كضرائب ومراجعة ما قام به من تعاملات تجارية بمبالغ أكبر من ألف لترا Letra . وثانياً لا نعيش في مثل هذه الدرجة من المادية والاستهلاك القهري. كذلك بالنسبة لأحد الأوميجانيين فإنه من الجميل أن يمتلك بيتاً، سيارة، حمام سباحة وربما حتى قطعة أرض ومكتبة. فهو يحب الأكل الجيد والأعياد الطويلة والملابس الجميلة وأن يكون لديه من يسّهل أموره. كل هذا يقوده إلى الرأسمالية. فهو يجمع المال ويخزنه مثلما يخزن المرء المواد الغذائية في حجرة الخزين وذلك حتى يكون لديه عند الحاجة. ولكن الأوميجانيين على العموم يفكرون بطريقة مختلفة عن الإنسان ولديهم قيم أخري، ويتطلعون كذلك إلى أشياء أخرى، إلى التجارب، إلى المعرفة، إلى التحقق وإلى الراحة. حرية السفر والاتصالات يسهلان إلى جانب ذلك إمكانيات أخرى إلى جانب المادية، وذلك أن العالم مسخر للاستخدام ولا يحتاج لأن يُمتلك.

لدى مراقبتي للإنسان فإن إحدى الظواهر الأكثر لفتاً للانتباه، بالنسبة لي، كانت فكرة الاستهلاك وفلسفة التملك التي تسيطر عندكم. فالغالبية منكم يرون أن نظام رأسمالي يعتمد على نمو وكذلك على استهلاك قهري. يصل المرء إلى هذه النتيجة النهائية فقط إذا ما رأى العالم بوصفه مادية خالصة ويمكن قياسه بواسطة المال والأرقام ومن ثم يمكن اختصاره على هذا الأمر. وبينما قادكم هذا التصور للعالم إلى ثورات علمية أدت لدينا منذ الاكتشاف الرسمي للأرض إلى إعجاب عظيم، ولكن الجوانب السلبية لهذه السياسة هي موضع ريبة مثلما تجدون أنتم، وذلك أني أسمع هذا هنا باستمرار. حتى أشرح لكم نظامنا الاقتصادي فإنه من الضروري أن نعرفكم بقيمنا، وهذا يعني أن أعود للخلف قليلاً، ولكن لنبقى قليلاً مع الحيوانات.

بعكس ما لدى الإنسان تشترك لدينا الحيوانات كذلك في العملية الاقتصادية، وما أريد قوله أن حيوانات الليمور تكسب لدينا مالاً. والليمور هو مخلوق يشبه القرود الصغيرة وهو يمتلك قدرة لُغوية وذكاء غير مألوفين بالنسبة للحيوانات. هناك أنواع حيوانية أخرى ذات قدرة كلامية بسيطة، ولكنها تأتي خلف الليمور بمسافة كبيرة. تعيش حيوانات الليمور في بيوت الشجر، غالباً في الغابات، ولديهم ثقافة خاصة ضخمة. يعيشون في أسر وأسر كبيرة ولديهم نوع من البيت الجماعي وطقوسهم الخاصة كذلك. لديهم ألعابهم الخاصة شديدة التجريد ويتحلون بقدرة باهرة على استيعاب الثقافة الأوميجانية، على سبيل المثال موسيقانا.

بخلاف العمالقة وطيور الشووم تعد حيوانات الليمور بوصفها غير خالصة القلب وإنما متقلبة. بالطبع توجد استثناءات، ولكن على العموم فإن حيوانات الليمور إلى حد ما هي أطفالنا المزعجين. لا يمكن الاستغناء عنها بسبب قدرتها على الشم وغريزتها، وذلك لأنها في استطاعتها أن تجد الأشخاص المفقودين والنباتات الطبية التي تنمو تحت الأرض، وهي تعرف كل مصادر الماء العذب في الناحية ويساعدون كل تائه على العودة إلى المدنية. يمكن استخدامها بشكل ممتاز كرسل وكحراس وكمساعدين في الصيد، وذلك أنهم يستطيعون استعمال الرماح ببراعة. وكذلك فإن جزءاً من العمالة في الحقول والمصانع هم من الليمور.

فيما سبق كانت حيوانات الليمور في الغالب حيوانات منزلية للأوميجانيين، وجزء منهم مازال كذلك إلى اليوم. وبمرور آلاف السنين تطور هذا النوع بشكل مستمر وذلك لأن الأوميجانيين بدءوا بتدريبهم. ثم تيسر لنا فك شفرة لغة الليمور. نعم لم نستطع أن نقلدهم صوتياً (مثلما هو بالعكس) ولكننا كنا نستطيع فهمهم. في حقبة- تو، إحدى أنجح الحقب في تاريخنا في الألف الخامسة، طورنا كتابة اللغة الليمورية التي أصبحت فيما بين ذلك لغة معترف بها. وهكذا كان يمكننا التواصل ولكن بسبب خلقتها الجسدية لم تستطع حيوانات الليمور ولوقت طويل أن تكتب. ولكن في عصر الآلة صنعت أجهزة يسرت تغيير هذا. اليوم هي تفضل التسجيلات الصوتية. لقد أثر اختراع وحدات التخزين الإلكترونية والتليفون بشدة على ثقافة الليمور. وتوجد سلسلة من النكات الأوميجانية تبدأ دائما بجملة "مرة واحد ليمور راح يرد على التليفون...".

المشكلة مع حيوانات الليمور تكمن في عدم نظامها الذي صار مثلاً. هذا لا ينطبق على العمل وإنما على أسلوب حياتها. حينما اعترف بالليمورية كلغة، وافق البرلمان في راات، بعد الاتفاق مع العمالقة، على قانون مساواة الليموريين، يقول أن دفع أجرة لحيوانات الليمور على عملهم إجباري. نعم كانت الأجرة أقل من تعريفة أجرة الأوميجانيين ولكن تمت الموافقة عليها بوصفها مناسبة. هذا كان مرتبطاً مع إمكانية استدعاء القرود إلى المحكمة. على العموم فإنه لم يكن من المناسب الاعتراض على هذا القانون، وقد أظهرت الليمور شكرها ولطفها، ورغم ذلك فإن الكثير منها كان لديهم صعوبات في التصرف بالمال المكتسب. وهكذا لاحظ علماؤنا بعد خمسين سنة من تطبيق القانون أن عدداً مفزعاً من الليمور قد صار مدمني الكحول وأنواع المخدرات الأخرى، وارتبط بذلك تصاعد للعنف والجرائم. كذلك أسرف الكثير من الليمور في الاستدانة لأنهم خسروا مبالغ كبيرة من المال في لعبة الروبينون، وهي لعبة من ألعاب الرمي.

حول علاقة الأوميجانيين مع حيواناتهم - التي تختلف بحق عن عالم الحيوان لدى الإنسان توجد مكتبة كاملة من الكتب ووسائل نقل المعرفة الحديثة الأخرى. وهكذا كتب الشاعر اللاتوني براك قبل عدة آلاف من السنين "كتاب الحيوانات"، روى فيه كل الأشعار والأغاني والطرائف والقصص التي وجدت على أوميجا 5 عن الحيوانات، وخص كل حيوان بفصل. الشوومرا على سبيل المثال ليست الطير الوحيد الكبير من إرَم. بينما أغلب الحيوانات المفترسة الكبيرة من الهضبة العالية قد انقرضت، عاش على سبيل المثال بعض أنواع الأسماك الضخمة التي تملأ بحار العالم حتى اليوم.

- الخمسة -

ثم سألت من أين يأتي الرقم 5 في "أوميجا5"، وكيف تبدو الحياة في راات. الخمسة أولاً. كما لاحظت بالتأكيد أنني أفرق بين الأوميجانيين والعمالقة، رغم أنهم أيضاً يعيشون على أوميجا 5. لكن العمالقة يزعمون أنهم في الأصل ليسوا من أوميجا 5 وإنما من أوميجا.

في لغة العمالقة كلمة "أو" O تعني "مفتوح؛ أنا" ثم "مي" me تعني "الكل" و"جا" ga معناه "جسد؛ عملاق". وهذا كله بترجمة متساهلة يعني "كوكبي الوطن" على وجه الاحتمال. يوجد جانب ذلك عدد من فرضيات معقولة حول المعنى الأصلي للكلمة، حتى أن "أوميجا" يمكن في الحقيقة أن تعني كل الاحتمالات. اليوم يسمى العمالقة أنفسهم فقط "عمالقة" Gara، بينما نسمى أنفسنا "الخمس أوميجانيين" Omega ma kara وهذا ما أُختصر في الاستعمال اللغوي إلى ماكارا Makara ، حقيقة "الخمسويون". تقول الكودا Koda عن هذا، أنه توجد أسطورة خلق قديمة تأتي فيها سفينة فضاء تحضر عدداً من العمالقة إلى الكوكب ثم تابعت طيرانها. هؤلاء العمالقة، الذين يمثلون جزءاً من شعب العمالقة فقط ، فقدوا كما تقول الأسطورة ذاكرتهم لدى الاصطدام بالكوكب. شئ واحد فحسب لم ينسوه هو: "أوميجا ما" أي أوميجا 5.

أغلب الكواكب في نظامنا الشمسي تسمى أوميجا. وهذا بالنسبة لنا من ضمن ألغاز الأوميجانية. طبعاً نظن أن كل الكواكب الأخرى مسكونة كذلك أو على الأقل كانت مسكونة، ولكن ليست لدينا الأدوات التكنولوجية حتى نتثبت من هذا. ولم نسمع كذلك شيئاً من الكواكب الأخرى. إذا ما امتلكنا المعرفة الإنسانية الضرورية، لتغير عالمنا على وجه الاحتمال بسرعة. سنطير فوراً إلى الكواكب من أوميجا وحتى أوميجا 4 ونتأكد علمياً من الحقائق اليقينية. خاصة العمالقة سيعطون الكثير لأجل هذا. ولكننا لا نملك مثل هذا الطموح الذي لدى سكان الأرض، ليس فيما يخص الأمور التكنولوجية. الأقمار الصناعية هي القمة التي وصلنا إليها والتي نستطيعها في الوقت الحالي. ولكننا نعيش على يقين من أننا سنتمكن مرة من أن نجد طريق العودة إلى جذورنا، ويسيطر لدى الكثير منا شعور مثل الذي شعر به بعض الألمان قبل سقوط سور برلين: تصور أن الأشياء ستعود إلى طبيعتها.

لكن للأسف لا نعرف على وجه الدقة بُعد أوميجا 5 عن الأرض أو الأبعاد النسبية بين كوكبيِْنا. قد يكون بيننا مسافات مترامية لا تستطيع سفينة فضاء على الإطلاق أن تقيسها. ربما أيضاً نقع في مجال التقاط تلسكوباتكم.

- راات -

بالنسبة للحياة في راات يوجد بالطبع الكثير الذي يمكن أن أحكيه. أين أبدأ؟ إنها عاصمتنا. المعمار في راات سيكون موضع ملاحظة خاصة، وذلك لأن العمالقة اشتركوا في هذا بقوة، حيث سهلوا العمل بشكل لا يقدر وهذا بالطبع يستطيع المرء بسهولة تصوره. المباني العالية من النوع الموجود على الأرض لا يكاد يجدها المرء إلا في راات فقط. هنا في راات من المهم توفير المكان وذلك لأن راات مدينة ضخمة. ولا يتعلق هذا الأمر كثيراً بأسعار الأراضي كما هو على الأرض. أسلوبنا في المعمار يبدو تقريباً كخليط بين الأسلوبين الياباني والروماني. جمال وملائمة المعمار الياباني تمازجت مع مهابة وضخامة المعمار الروماني. بلاط الزخارف الملون والمطعم الذي تشتهر به المدينة يذكر بالتقنيات العربية أو الفارسية أو التركية ويتم تقليدها وتنفيذها في أماكن كثيرة.

الطقس في راات مثل ما في منطقة جنوب البحر المتوسط. في هذه المدينة تتم إدارة الكوكب وكل الخيوط تنتهي إلى هنا. الموضات تبتكر في راات، كل المعارض الكبرى تقام هنا. النظم الجديدة تجرب هنا، ويجد الأعلام هنا مركزه وكذلك ممثلي كل الاهتمامات من كل الألوان، المحكمة العليا وجدت هنا أيضاً مقامها، إنه عالم خاص بالكامل. لا يكاد يوجد من يعيش كل حياته هناك، فكان متعبا في مثل هذا الضاج. ولكن كل يريد أن يذهب ولو مرة إلى هناك. إذا ما بقي ممثل أحد الدومات لسبع سنوات في راات، فإنه بالتأكيد يكون قد تجاوز المتوسط.

ولكن للمدينة وجوه أخرى. على سبيل المثال الحياة الليلية، التي يفتن المرء بها، حي اللذة والحدائق. والمؤسسات التعليمية المركزية. في راات يملك أغلب الناس سيارة. في أماكن أخرى يملك في المتوسط فقط واحد من كل سبعة سيارة. وتوجد في راات كل قطع الغيار، مصلحي السيارات وكل ما يحتاجه المرء. ولدى المحلات الكثير مما تعرضه. وهذا ما يلاحظ إذا ما قدم المرء من الخارج. كذلك يمكن للمرء أن يقول أن مراكز الدومات تقلد النظام في راات على نحو مُصغر، مع أن هذا التنظيم كثيراً ما يتغير في تاريخنا.

أحيانا يسمع المرء في راات هزات رتيبة خفيفة. ومن ثم يعرف المرء أن أحد العمالقة يقترب، ربما حتى يستحم في النيل. النهر الذي تقع عليه راات يُدعى النيل بالضبط كما في مصر. من جبل إرَم الذي يرتفع تقريباً لعشرة أمثال أحد العمالقة، تصعد سلالم إلى أعلى، أو تهبط إلى أسفل، وهذه السلالم ذات درجات كبيرة للعمالقة وأخرى صغيرة للأوميجانيين.

بكلمة شخصية أريد أن أُنهي تقريري اليومي. أنا سعيد جداً بسبب إمكانية النشر هذه. قبل سنتين سيطر في راات الرأى بأن هذا الوقت ليس مناسباً لإقناع الآدميين بوجودنا. يقال هناك أن السبب في هذا أننا لا نستطيع أن نجسم أنفسنا جسدياً على الأرض، حينما اللآدميون يفهمون مصطلحَيْ "الوجود" و"المادة" على أنهما يعنيان تقريباً نفس الشئ. ودون أن أمدح نفسي أريد أن أذكر فعلاً أنني اعتبرت هذا آنذاك بالتأكيد حكماً مسبقاً ونقدتُه بشدة. لم أكن أرى سبباً يدعو المرء إلى عدم التحدث إلى البشر. لاسيما وأننا وجدنا اتفاقات وهي تحدٍّ لطبيعتنا الفضولية بأن نبدأ التعمق فيها."

- ماذا يريد يوناس حقيقة -

أيقظني صوت دقات المطر. لم أكن قد أغلقت الشُباك. كانت الثانية ليلاً تقريباً. فتحت جهاز الحاسوب وأغلقت الشباك، ودخنت سيجارة. "الإقناع بوجودنا". بقيت هذه الجملة في رأسي. ماذا يريد يوناس حقيقة؟ فجأة وجدت لدي أمنية أن أقع على تناقضات في حديثه. ألم يقل في البداية أنه أُرسل لأن الأوميجانيين يجدون أن الوقت مناسب؟ الآن يكتب أن الرأي المسيطر، هو أن المرء قد لا يجد الآن سبيلاً للتفاهم مع سكان الأرض. غريب.

بدا لي النظام السياسي على أوميجا 5 غير صحيح بالمرة. إنه يتأسس أخيراً على مبدأ النيّة الصالحة، الذي يجده المرء في كل أتوبيا عادية، ولكن لا يمكن تحقيقه أو التمسك به لفترة طويلة. الإنسان كان كسولاً، جبانا، فاسداً، لماذا إذن يختلف الأوميجانيون؟ ألم يكن تضييقاً ألا يسمح لهم ببناء مدن؟ كيف ينبغي أن ينظم هذا؟ المجتمعات تتطور بصورة فوضوية، أليس بناء المدن الكبرى هو شيء ثابت في اجتماع الناس؟ لعدة لحظات كنت مخدوعاً في يوناس، وذلك أن حكايته الجميلة كانت ضعيفة البناء.

أوراات، سلام عبر العلانية. أية فلسفة يمكن أن تختبئ خلف هذا؟ أخذت نفساً من السيجارة وفكرت أنني أستطيع أن أخمن فكرة كبيرة. تصور بأنه عدم السرّ يؤدّي إلى ذهاب الخوف الذي موجود في الإنسان. أردت أن أتتبع أثر هذا المجهول، نعم، أن أمسك به متلبساً. خيالاته بدأت تثيرني. يفكر في أسماء وكلمات ويزرعها في وعيّ وذاكرتي. أغلقت عيني ورأيت عملاقاً في الطريق يدب بقدميْه، معه رجل في طول الإبهام في أذنه ويحاول العملاق أن يكون حذراً لئلا يدهس أحد الأوميجانيين.

أصدقائي رأوا إبان ذلك ما وضعته في الإنترنت وكان رد الفعل جيداً. من الناحية الأدبية فإن قصة أوميجا 5 تبدو مقبولة، وقد تمت الموافقة من الناحيتين الشكلية والموضوعية على هذا. سُئلت عما إذا كان يوناس موجوداً بالفعل وأجبت بنعم. وهذا ما لم يعني الكثير لأن الإجابة تمنع من طرح السؤال المهم عما إذا كان يوناس يقول الحقيقة. هذا السؤال لم يطرح. كذلك لم أنتظره. ولكن ماذا يكون، هكذا جال في خاطري، إذا ما كان يوجد غير أرضي حقيقة؟ إذا ما تصور المرء أن حياة عاقلة توجد هناك في الخارج وتريد الاتصال بنا. هكذا بكل بساطة. ليس من الضرورة أن يهبطوا بسفينة فضاء، يمكنهم أن يجدوا طريقاً آخر مثل يوناس. ولكن في هذه الحال يمكن أن يكون يوناس قد قال الحقيقة. التقابل مع الغير أرضيين كان حقيقة ً صورة نمطية. هنا فإن لدى يوناس حق. لقد صُورت الكثير من الأفلام حتى أن اللقاء الحقيقي الأول يُحتمل أنه لن يؤخذ بصورة جدية ممن يسمع عنه دون أن يعيشه. الإجابة جاءت مباشرة:

- الآط -

"العمالقة لا يدبون بأقدامهم؛ إنهم بخلاف هذا في منتهى الرشاقة في حركتهم. وبالمناسبة في منتهى الظرف. وإلى جانب هذا فإن الجاذبية الأرضية لدينا أقل قليلاً. صحيح أن الأرض ترتعش تحت خطواتهم ولكن ينبغي ألا يسمح بتصور العمالقة وكأنهم ثقلاء الحركة. إنهم أقرب إلى قدماء أصليين. لقد كان جهداً ضخماً من طاوه Taoh الذي وحّد الثقافتين المختلفتين جداً للجارا Gara أي العمالقة وللمكارا Makara أي الأوميجانيين حتى أنه حول لغتيهما في النهاية إلى لغة واحدة. طاوه عاش حتى بلغ الـ 1600 من عمره، وقد نشأت الكودا في الثلاثمائة عام الأخيرة من حياته التي قضى جزءاً منها عند العمالقة.

من المهم أن نشير إلى جذور ثقافتنا وذلك أن فيها تكمن أسباب وعينا الحاضر. أرجوك ألا تكن هكذا غير صبور وأعطي الشئ فرصته. لا بدّ لتفهمنا أن ترانا من الداخل وليس من خلال الإطار الذي تراه أنت مهماً وصحيحاً. فليس من الممكن أن أحكي لك في صفحات قليلة ما هو أوميجا 5. سوف أعود بكل سرور إلى كل الأسئلة التي تخطر في بالك شيءً فشيء.

مزْج طاوه ثقافتين قديمتين أدى إلى قفزة معرفية عايشها طاوه أولاً ثم أمتد به الأمر فيما بعد إلى الأجيال التالية. قبل الكودا وحتى الحرب الكبرى شمل الأوميجانيين خوف من العمالقة وأسقطوا كل شيء كريه يمكن أن تتخيله على الجارا. رواية النص التارجي المبكر لا تدع مجالاً للشك في هذا الأمر. العمالقة حُملوا مسؤولية الكوارث الطبيعية، والحصاد السيئ، والمرض، وكل ما يشبه. وقد استمر هذا لأجيال كثيرة. العمالقة أصبحوا باطراد نماذج للشر والغباء. لأن التارجيين القدامى عانوا من خوف مستمر من أن يهاجموا، فإنهم فكروا في صنع أسلحة ليستخدموها ضد الجارا الأشرار. صُممت الفخاخ وطورت السموم والمواد الحارقة. وأخيراً أرسلوا قوات استطلاع إلى إرم وأنشئت هناك قواعد سرية لمراقبة العمالقة.

العمالقة بدورهم قبلوا الأوميجانيين منذ أول لقاء بهم. ولكنهم كانوا يبدون وكأنهم أهملوا وجود الصغار بعض الشيء. كان العمالقة حتى سنوات الحرب نادراً ما ينزلون من علي جبلهم. ولكنهم كانوا ذو طبيعة فضولية، خاصة حين كان التارجيون يبنون البرج الشهير الذي أُعيد بناؤه في مكانه الأصلي في راات. كان البرج أكبر من العمالقة بما يساوي رأس عملاق، وتظن الناس اليوم أن فكرة بناء البرج نتجت عن شعور بالنقص وحاجة لا يُتحكم فيها إلى إثارة الانتباه.

حينما جاء العمالقة من الجبل ليشاهدوا هذا العمل عن قرب، دهسوا دون أن يروا وربما دون أن يلاحظوا بعض الأوميجانيين. وفي هذا، على حد تعبير الكودا، رأى الأوميجانيون بداية الحرب وسبباً لها. شعر العمالقة بأن شيءً ليس على ما يرام وأبقوا أنفسهم بعيداً عن الأوميجانيين، وهذا ما اعتبره الأوميجانيون اعتراف بالذنب. وبالإضافة إلى ذلك حينما قُتل ثلاثة عساكر أوميجانيين كانوا يتجسسون دون أن يلاحظوا في أكواخ ومغارات العمالقة، قرر الماكارا أن يقوم بعمل دموي وأُغري يوروب، أحد العمالقة، بالوقوع في حفرة. وبمساعدة جيش كامل قُتل بطريقة متوحشة. هنا عرف العمالقة الأخطار التي يمكن أن تأتي من الأوميجانيين الصغار.

الجارا لم يفهموا لماذا كان يجب أن يموت يوروب بهذه الطريقة الوحشية، ولكنهم فهموا أن الأوميجانيين أرادوا هذا. الكودا يشرح في هذا المكان: "وأخذ العمالقة من الحزن يخبطون على رؤوسهم حتى أمسوا متعبين. وفي اليوم التالي تركوا إرم وهجموا من كل الاتجاهات ليقتلوا الأوميجانيين، فحطموا كل القرى التي وجدوها تحت أحذيتهم الضخمة، وكان يجب على الأوميجانيين أن يتركوا أكواخهم وأن يجدوا مخابئ لهم في الغابات والحفر. مات الملايين وفقد الأوميجانيون كل ما كانوا يملكونه. وبنظام وترتيب كان العمالقة يفتشون أنهار تارجوسTargos وميرMyr ولاتووناLatuuna التي نزل الأوميجانيون بجوارها."

ولكن الأوميجانيين (الذين لم يكونوا قد سموا أنفسهم بهذا الاسم بعد) كانوا أذكياء. وجدوا مخابئ واستطاعوا أن يعيشوا. وهذا كان هو آط، الحرب الكبرى. وقد خلفت ضحاياها على كلا الجانبين وطبعت حياة الجميع على الكوكب. وقد جمعت الحرب كل من الجارا والماكارا، حتى وإن كان بطريقة وحشية. بعد مائتين من السنين عرف الأعداء بعضهم إلى درجة أنهم طوروا طريقة للاتصال. ووجدوا طرقاً للإشارة إلى هدنة ولحفظها. وبذلك أُنهيت الحرب الكبرى، ولكن الشك لم ينته بينهما. واتفقوا على منع الأوميجانيين دخول إرم، وبقاء العمالقة على جبلهم.

وهذا ما حافظ عليه الجميع عدا طاوه الذي صعد إلى الجبل بعد مائة عام من انتهاء الحرب وكان في المائتين بعد الألف من عمره. وحيداً ودون خوف. بخلاف الأوميجانيين يعيش العمالقة تقريباً مثل الإنسان فقط. عاش طاوه لمدة أجيال عند العمالقة ودرس حياتهم وتعلم لغتهم ودل الجارا على طريقة صناعة أنواع مختلفة من الأدوات اليومية التي تسهل الحياة.

في نهاية حياته وصل طاوه إلى حالة الميانا Miana التي تعني حرفياً وعياً جماعياً وتصعب ترجمتها. ويتعلق الأمر بامتزاج نظامين قائمين بذاتيهما. كَتَبَ الكودا وعلّم العمالقةَ خاصة الصبية بمساعدة الكتاب لغة البيريت Berit وحين تيسر ذلك نزل طاوه من علي الجبل. وقد سمع الأوميجانيون إبان ذلك بالكودا وانتشرت بعض النسخ بين المتأملين الذين أعاد طاوه الاتصال بهم. بصفة خاصة اهتم ريماRima وتلاميذه بهذا المزج. منذ مئات السنين عاش الأوميجانيون في خوف، يختبئون وقد صار لهم طبيعة حربية. وكانوا يفكرون بشوق فيما كان موجوداً في الوقت قبل الحرب الكبرى "آط" واشتاقوا إلى السلام "را" ولكنهم لم يكونوا يستطيعون التخلص من حالة الحرب الكبرى وذلك أن هذه الملايين كانوا قد ماتوا، ثم وماذا ينبغي أن يأتي بعد ذلك؟ وكيف يمكن للمرء في وقت ما أن يصل إلى السلام؟

انتهت حياة طاوه الطويلة. وبقي الكتاب مع تلميذه ريما الذي واصل العمل بالكتاب. وله فضل إشهار الكودا الذي في المرحلة الأولى وقف المرء منه موقفاً أكثر من متشائم، وبالتالي فرض لغة البيريت بين الأوميجانيين، وبناء راات أشرت إليه في هذا السياق منذ قليل.

شئ مشابه لم يوجد على الأرض قط، لذلك لن تكاد تستطيع أن تتصور كيف أثرت فلسفة الأوراات والميراات والميانا. لا بد وأن يكون المرء قد عاش هذا ليفهمه. من الناحية النفسية فإن طاوه قد أنجز بكتابه ما لم يستطيع الأوميجانيون من خلال برجهم أن ينجزوه: لقد أُخذ مأخذ الجد والاحترام. ومن خلال نشر اللغة الجديدة تغير وعي العمالقة باطنيا وظاهرياً بدرجة تكاد تكون مفاجئة، وقد نظروا بإعجاب كامل وشكر كبير إلى صديقهم الصغير. والآن أصبحوا يرون الأوميجانيين بعيون مختلفة جداً. أثناء حياة ريما رجعت العلاقة بين الشعبين الغير متشابهين إلى وضعها الجيد.

بالنسبة للعمالقة فإنهم يكنون للكودا أعلى تبجيل، ويعتبرون ريما خليفة "لصديقهم"، كما كانوا يسمون طاوه. وكما أنهم في وقت الحرب الكبرى قد حطموا منازل الأوميجانيين، فإنهم يساعدونهم الآن على أن يبنوا قرى جديدة ونظام طرق والعاصمة راات. ووجد الأوميجانيون على أساس اللغة الجماعية الجديدة، التي انتشرت في نفس الوقت مع بناء راات، على كل الكوكب بوصفها خط ولغة عامية متنامية، فرصة لأن يردوا الجميل. العمالقة يحبون العلم والفنون وفي هذا المجال تمكـّن الأوميجانيون أن يقدموا الكثير.

مع مرور السنين بدؤوا أن يلاحظوا الميزات الكبيرة للميراات، أي السلام النشط مع العمالقة: فلم تعد توجد حروب. لم يتعارك العمالقة فيما بينهم على الإطلاق. ليس لديهم بالمناسبة على عكس الأوميجانيين تطلع للسيطرة على الآخرين. اكتشاف هذا الأمر في السلوك الاجتماعي للجارا أدى بين الماكارا إلى شعور بالذنب لعدة مئات من السنين، وذلك لأنه أصبح واضحاً بالنسبة لهم أن تصورهم التقليدي للعمالقة كان شريراً وخاطئاً. لدى هذه النقطة من تاريخنا تعلمنا أن ذكاءَنا العالي لا يعني أننا أفضل من العمالقة. أوضح طاوه أن العمالقة، خاصة عقليتهم هذه هي التي قادته إلى فلسفة الميانا، أي فلسفة المزج والتوليف. وقد مر وقت طويل حتى سامح الأوميجانيون أنفسهم بسبب ما قاموا به، وهذا ينطبق أيضاً على المتأملين الذين بسبب سنهم وعلى العموم يمثلون درجة أو جهة أخلاقية عالية بالنسبة لنا. أما العمالقة فقد استطاعوا في أسرع وقت أن يتجاوزوا الحرب التي سقط فيها مئات، إن لم يكن آلاف من شعبهم بالوقوع في المصائد أو بالسهام المسمومة والأمراض.

 

                                  إلى فوق